رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
272
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
فإذن كان حركتهما حركةَ مريدٍ عابثٍ غير متروٍّ ، كالأطفال والمجانين يفعلون الأفاعيل الغير المنتظمة لدواعٍ وهْميّة وخياليّة ، يبنون بناءً على التراب من الطين والحشائش والأخشاب ، وإذا لم يكن بناء بنائهم على الرويّة والغرض الصحيح يهدمونه بأضعف هاجس ، فلأيّ سبب كان هذا النظام البديع والبنيان المنيع ، ودام في هذه المدّة المديدة غير متغيّر ولا متبدّل ؟ وكذا الكلام فيما يذهبون إليه ، ويظنّون أنّه الدهر ليس ما ينسبون إليه من الحركات طبيعيّةً لتفنّنها ، فإن لوحظ فيها التدبير ونظام العالم ، فالذي يدبّر هذا التدبيرَ الذي ينبئ عن كمال القدرة والحكمة ، هو الذي نقول به ونخضع له ، وهم سمّوه دهراً ، وإن لم يلاحظ فهي كحركات المجانين والأطفال ، فَلِمَ وقعت أجزاء العالم على ما ينبغي ، مثل أنّ السماء مرفوعة والأرض موضوعة ؟ لِمَ لا تسقط السماء على الأرض ؟ لِمَ لا تنحدر الأرض فوق طباقها ، فلا تتماسكان ولا يتماسك من عليها ؟ قال مولانا الصادق عليه السلام في توحيد المفضّل في منفعة وضع الأرض : « فكِّر يا مفضّل فيما خلق اللَّه - عزّوجلّ - عليه هذه الجواهرَ الأربعة ليتّسع ما يحتاج إليه منها ؛ فمن ذلك سعة هذه الأرض وامتدادها ، فلولا ذلك كيف كانت تتّسع لمساكن الناس ومزارعهم ومراعيهم ومنابت أخشابهم وأحطابهم والعقاقير العظيمة والمعادن الجسيمة غناؤها ؟ ولعلّ من ينكر هذه الفلوات الخاوية والقفار الموحشة فيقول : ما المنفعة فيها ، فهي مأوى هذه الوحوش ومجالها ومرعاها ؟ ثمّ فيها بعدُ متنفّسٌ ومضطرب للناس إذا احتاجوا إلى الاستبدال بأوطانهم ، فكم بيداء ، وكم فدفد حالت قصوراً وجناناً بانتقال الناس إليها وحلولهم فيها ، ولولا سعة الأرض وفسحتها لكان الناس كمن هو في حصارٍ ضيّق لا يجد منه مندوحةً عن وطنه إذا أحزنه أمر يضطرّه إلى الانتقال عنه . ثمّ فكِّر في خلق هذه الأرض على ما هي عليه حين خلقت راتبةً راكنةً ، فيكون موطناً مستقرّاً للأشياء ، فيتمكّن الناس من السعي عليها في مآربهم ، والجلوس عليها